العودة إلى المقالات
ما هو الذكاء الاصطناعي في الإحصاءات الرسمية؟ دليل عملي للمملكة العربية السعودية ودول الخليج
نُشر في •6 دقيقة قراءة
التصنيف: Statistics

ما هو الذكاء الاصطناعي في الإحصاءات الرسمية؟ دليل عملي للمملكة العربية السعودية ودول الخليج

يامن هلال
يامن هلال
خبير إحصاءات سوق العمل
نُشر في October 31st, 2026

الإجابة باختصار: الذكاء الاصطناعي في الإحصاءات الرسمية هو توظيف تقنيات تعلّم الآلة والنماذج اللغوية الكبيرة لدعم عمل أجهزة الإحصاء الوطنية، مثل ترميز المهن والأنشطة الاقتصادية، وإجراء المقابلات الإحصائية ومراجعتها، واكتشاف الأخطاء، وتقدير القيم المفقودة، وشرح النتائج للمستخدمين. وعند استخدامه بشكل سليم، يجعل الإحصاءات أسرع وأكثر اتساقًا، لكنه لا يحلّ محل المنهجية الإحصائية ولا أطر الجودة ولا سرية بيانات المستجيبين.

أعمل في إنتاج إحصاءات القوى العاملة منذ أكثر من عشرين عامًا؛ بدأت مديرًا لإدارة إحصاءات سوق العمل في المعهد الوطني للإحصاء بتونس، وأعمل منذ عام 2021 على دعم الهيئة العامة للإحصاء في المملكة العربية السعودية في تطوير مسح القوى العاملة الوطني. وخلال السنوات الأخيرة تغيّر السؤال الذي أسمعه من زملائي الإحصائيين في المنطقة: لم يعد "هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟" بل "من أين نبدأ، وكيف نحافظ على الجودة؟". هذا الدليل هو إجابتي العملية عن هذا السؤال.

ما المقصود بالذكاء الاصطناعي في الإحصاءات الرسمية؟

الإحصاءات الرسمية هي الأرقام التي تنشرها الحكومات لوصف الاقتصاد والمجتمع، مثل السكان والتشغيل والبطالة والأسعار والتجارة والصحة والتعليم. وتنتجها أجهزة الإحصاء الوطنية وفق معايير دولية وقواعد صارمة للجودة والسرية.

والذكاء الاصطناعي في هذا السياق ليس نوعًا جديدًا من الإحصاءات، بل مجموعة من الأدوات التي تساعد في مراحل محددة من العملية الإحصائية:

  • تعلّم الآلة: نماذج تُدرَّب على بيانات سابقة لتصنيف المعلومات أو التنبؤ أو اكتشاف القيم الشاذة.

  • النماذج اللغوية الكبيرة: نماذج تفهم اللغة الطبيعية وتكتبها، وتفيد في معالجة الإجابات النصية والتوثيق والرد على أسئلة المستخدمين.

  • تقنيات الكلام: تحويل الكلام إلى نص والنص إلى كلام، وهي ما يجعل المقابلات الصوتية ممكنة.

في أي مراحل الإنتاج الإحصائي يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي؟

يصف النموذج العام لعمليات الإنتاج الإحصائي (GSBPM) مراحل إنتاج الإحصاءات من التصميم حتى النشر، ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يضيف قيمة في معظمها. وهذه أكثر الاستخدامات نضجًا في رأيي لأجهزة الإحصاء في الخليج والمنطقة العربية:

  1. الترميز الآلي: إسناد رموز المهن (ISCO-08) والأنشطة الاقتصادية (ISIC Rev.4) إلى الإجابات النصية عمل بطيء وغير متسق عندما يتم يدويًا. ويمكن لنماذج التصنيف أن تقترح الرمز مع درجة ثقة، فلا يراجع الخبراء إلا الحالات الصعبة.

  2. جمع بيانات المسوح: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الباحث الميداني أثناء المقابلة، وأن يتحقق من اتساق الإجابات فورًا، بل وأن يجري مقابلات منظمة بالصوت. وقد تناولت هذا التوجه في مقالي عن المقابلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي وفي مشروع المسوح الصوتية بالذكاء الاصطناعي.

  3. التدقيق والتحقق من البيانات: تكشف نماذج رصد القيم الشاذة السجلات غير المنطقية، مثل تركيبة غير معقولة بين العمر والمستوى التعليمي والمهنة، فيركّز المراجعون على الأخطاء الحقيقية.

  4. التقدير وتعويض القيم المفقودة: يمكن لأساليب تعلّم الآلة أن تكمّل الطرق التقليدية لتعويض القيم المفقودة، وأن تساعد في الربط بين بيانات المسوح والسجلات الإدارية، شرط توثيق الأساليب واختبارها.

  5. النشر وخدمة المستخدمين: يمكن للمساعدات الذكية أن ترشد المستخدم إلى المؤشر المناسب، وأن تشرح مفاهيم مثل معدل البطالة ومعدل المشاركة في القوى العاملة، وأن تجيب عن الأسئلة بالعربية والإنجليزية.

لماذا يهمّ هذا السعودية ودول الخليج والمنطقة العربية؟

تواجه أجهزة الإحصاء في المنطقة مزيجًا خاصًا من التحديات والفرص:

  • تزايد الطلب على البيانات الآنية: تعتمد برامج التحول الوطني، مثل رؤية السعودية 2030، على مؤشرات تفصيلية ومتكررة لمتابعة التقدم، خصوصًا في سوق العمل.

  • تعقّد أسواق العمل: فوجود نسبة كبيرة من العمالة الوافدة، والتغير السريع في مشاركة المرأة، ونمو قطاعات جديدة، كلها عوامل تزيد صعوبة التصنيف والقياس.

  • ثنائية اللغة: كثيرًا ما تكون الاستمارات والإجابات المفتوحة والمنشورات بالعربية والإنجليزية معًا، ويجب أن تعمل أدوات الذكاء الاصطناعي جيدًا باللغة العربية، وهو ما لا يتحقق دائمًا في الأدوات المصممة لأسواق أخرى.

  • بنية رقمية قوية واستراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي: لدى عدد من دول الخليج جهات وطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي وأنظمة لحماية البيانات، مثل الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) ونظام حماية البيانات الشخصية في المملكة. وهذا يوفر بيئة داعمة، ويفرض في الوقت نفسه التزامات واضحة.

ما المخاطر، وكيف تتعامل معها أجهزة الإحصاء؟

تكتسب الإحصاءات الرسمية ثقة المجتمع لأنها دقيقة ومحايدة وتحافظ على السرية، ولا ينبغي للذكاء الاصطناعي أن يُضعف أيًّا من هذه الركائز. وأبرز المخاطر في رأيي:

  • السرية: إرسال إجابات المستجيبين إلى خدمات ذكاء اصطناعي خارجية قد يخالف الأنظمة الإحصائية وقواعد حماية البيانات، لذا يجب أن تتم المعالجة الحساسة في بيئات خاضعة للرقابة.

  • التحيّز: قد يكرر النموذج المدرَّب على بيانات سابقة أخطاء الماضي، كأن يخطئ بانتظام في ترميز مهن أو فئات معينة.

  • الشفافية: يجب أن يتمكن المستخدمون والمدققون من فهم طريقة إنتاج الرقم، فعبارة "هذا ما قرره النموذج" لا تصلح ملاحظةً منهجية.

  • تراجع الجودة مع الوقت: قد يعمل النموذج جيدًا اليوم ثم يتراجع أداؤه مع تغيّر الاقتصاد، لذا يحتاج إلى متابعة مستمرة كأي عملية إحصائية أخرى.

وتقدّم الأعمال الدولية، مثل مشاريع تعلّم الآلة والنماذج اللغوية الكبيرة التي أنجزها الفريق رفيع المستوى لتحديث الإحصاءات الرسمية (HLG-MOS) التابع للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا، أطرًا مفيدة لإدارة هذه المخاطر.

كيف يبدأ جهاز الإحصاء رحلته مع الذكاء الاصطناعي؟

من واقع خبرتي في مسوح القوى العاملة، تتبع الأجهزة الناجحة قواعد بسيطة:

  1. البدء بمهمة واحدة محددة ومتكررة، مثل ترميز المهن، بحيث يمكن قياس النتائج مقارنةً بترميز الخبراء.

  2. إبقاء الإنسان في الحلقة: النموذج يقترح والخبير يقرر، على الأقل حتى تثبت دقة النموذج.

  3. قياس الجودة بالصرامة نفسها المطبقة على أي أسلوب آخر: الدقة، والاتساق عبر الزمن، والأثر على المؤشرات المنشورة.

  4. حماية البيانات أولًا: تحديد مكان تشغيل النماذج والبيانات المسموح لها بالاطلاع عليها قبل اختيار الأداة.

  5. توثيق كل شيء ونشر المنهجية، حتى يثق المستخدمون بالنتائج.

  6. الاستثمار في الكفاءات: الإحصائيون الذين يجمعون بين فهم منهجية المسوح والذكاء الاصطناعي هم العنصر الأندر، وتدريبهم، مثلًا على بايثون وأدوات الذكاء الاصطناعي العملية، يؤتي ثماره سريعًا.

أسئلة شائعة

هل سيحلّ الذكاء الاصطناعي محل الإحصائيين؟

لا. فالذكاء الاصطناعي يؤتمت المهام المتكررة، لكن تحديد المفاهيم وتصميم المسوح والتحقق من النتائج وشرحها لصناع القرار تبقى مسؤوليات بشرية. ويتحول دور الإحصائي نحو الإشراف على العمليات الآلية والتحقق منها.

هل يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في مسح القوى العاملة؟

نعم. وأوضح الاستخدامات هي الترميز الآلي للمهنة والنشاط الاقتصادي، والتحقق من اتساق الإجابات أثناء المقابلة، والمقابلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي أو الصوتية، وتسريع إعداد الجداول وشرحها. ويجب اختبار كل استخدام وفق معايير الجودة الخاصة بالمسح.

هل تعمل أدوات الذكاء الاصطناعي جيدًا باللغة العربية؟

نعم بشكل متزايد، لكن الأداء يختلف من أداة إلى أخرى. ويجب اختبار أي أداة على إجابات حقيقية من المسوح العربية، بما فيها اللهجات والنصوص التي تمزج العربية بالإنجليزية، قبل اعتمادها في الإنتاج.

أبرز الخلاصات

  • الذكاء الاصطناعي يدعم مراحل محددة من الإنتاج الإحصائي، ولا يحلّ محل المنهجية الإحصائية.

  • أكثر الاستخدامات نضجًا: الترميز، والتحقق من البيانات، والمقابلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وخدمة المستخدمين.

  • في السعودية ودول الخليج والمنطقة العربية، تأتي جودة الأداء باللغة العربية والسرية وأنظمة حماية البيانات في مقدمة ما يجب ضبطه.

  • ابدأ بخطوة صغيرة، وأبقِ الخبراء في الحلقة، وقِس الجودة، ووثّق كل شيء.

بقلم يامن هلال، إحصائي وخبير إحصاءات سوق العمل يدعم الإحصاءات الرسمية في المملكة العربية السعودية.