
نحو قياس أفضل للقطاع غير الرسمي في تونس

يلعب القطاع غير الرسمي، المعروف غالبًا بـ"الاقتصاد الخفي"، دورًا كبيرًا في سوق العمل والاقتصاد التونسي. ومع ذلك، فإن غياب التعريفات الرسمية والمنهجيات المتسقة جعل قياس حجمه الحقيقي وتأثيره أمرًا صعب المنال لفترة طويلة. تقدم دراسة حديثة أعدها محمد الهمامي، يامن هلال، وكونستانس توريللي تحليلًا مبتكرًا للقطاع غير الرسمي في تونس، كاشفة عن نتائج حاسمة ونهج جديد يعد بإعادة تشكيل فهمنا لهذا الجزء الحيوي من الاقتصاد.
"في تونس، غالبًا ما كان القطاع غير الرسمي منطقة رمادية في التحليل الاقتصادي، مليئًا بالتقديرات بدلًا من القياسات الدقيقة."
تلخص هذه العبارة من الدراسة التحدي الأساسي: غياب البيانات الرسمية أدى إلى أرقام متضاربة، حيث تراوحت تقديرات مساهمة القطاع غير الرسمي في الناتج المحلي الإجمالي بين 30% و 45%. وحتى وقت قريب، افتقرت تونس إلى تعريف عملي للقطاع غير الرسمي، مما زاد من هذا الالتباس.
نهج جديد للكشف عن الاقتصاد غير الرسمي
يسلط الباحثون الضوء على كيفية معالجة المعهد الوطني للإحصاء في تونس لهذه القضية من خلال إدخال منهجية تجمع بين أفضل الممارسات الدولية والتكييفات المحلية.
تركز الدراسة على تبني تعريف منظمة العمل الدولية (ILO) الشامل للعمل غير الرسمي ودمج منهجية مسح 1-2-3، وهي إطار يُشاد بموثوقيته المثبتة عبر القارات.
إعادة تعريف القطاع: تُعرّف الدراسة القطاع غير الرسمي بأنه "الوحدات الاقتصادية التي تفتقر إلى أنظمة محاسبة كاملة، بغض النظر عن وضعها القانوني أو نوع نشاطها".
تعزيز أدوات المسح: قام المعهد الوطني للإحصاء في عام 2017 بتعديل استبيان المسح الوطني للتشغيل، مضيفًا أسئلة مستهدفة لتحديد الوحدات الإنتاجية غير الرسمية. مثّل هذا التعديل تحولًا محوريًا في جمع البيانات الملائمة للواقع الاقتصادي التونسي.
ما تكشفه الأرقام:
تُعد النتائج لافتة للنظر. في عام 2016، شكّل القطاع غير الرسمي حوالي 455,600 مؤسسة وظّفت 718,250 فردًا، أي ما يعادل ربع إجمالي التوظيف غير الزراعي في تونس. ويتركز هذا النشاط بشكل أساسي في:
التجارة (%39)
الخدمات (%44)
لكن التقرير لم يتوقف هنا. فقد كشف أن %84 من هذه الوحدات لا تمتلك أنظمة محاسبة رسمية، بينما %48 غير مسجلة لدى السلطات الضريبية، مما يبرز النطاق الواسع للأنشطة الاقتصادية التي تعمل خارج الرقابة الرسمية.
ما وراء الاقتصاد غير الرسمي
تتناول الدراسة أيضًا الجانب الإنساني لهذا القطاع. غالبية العاملين في هذا القطاع هم من أصحاب العمل الحر أو أصحاب المشروعات الصغيرة. بالنسبة للعديد منهم، لا تمثل هذه الوظائف مجرد مصدر دخل، بل هي استراتيجيات للبقاء. ومع ذلك، فإن غياب التسجيل الرسمي يحرمهم من الوصول إلى مزايا أساسية مثل الضمان الاجتماعي والخدمات المالية.
لماذا الأمر مهم: أبعد من الأرقام
القطاع غير الرسمي ليس مجرد قضية اقتصادية؛ بل هو تحدٍ اجتماعي وسياسي أيضًا. تُبرز الدراسة كيف يمكن للفهم الأفضل للقطاع غير الرسمي ودمجه في الحسابات الوطنية لتونس أن:
· يوفر مؤشرات اقتصادية أكثر دقة لصانعي السياسات.
· يدعم الجهود لتحويل العمال غير الرسميين إلى وظائف رسمية، مما يعزز حقوقهم وأمنهم الاقتصادي.
· يمكن من تنفيذ تدخلات مستهدفة للحد من البطالة، التي طالما عانت منها تونس، وخاصة بين الشباب.
"قياس القطاع غير الرسمي ليس مجرد أرقام—بل هو وسيلة لتطوير سياسات تتماشى مع الواقع "
تؤكد هذه الرؤية أهمية هذا العمل. وكما يشير المؤلفون، فإن المسوحات المستقبلية لن تكتفي بتتبع اتجاهات الاقتصاد غير الرسمي، بل ستوجه أيضًا استراتيجيات لتشكيل المؤسسات غير الرسمية دون إعاقة نموها.
التطلع إلى المستقبل: البناء على النجاح
يدعو المؤلفون إلى خطوات إضافية لتحسين هذه التطورات والحفاظ عليها:
1. توسيع المسوح: تضمين الوحدات غير المسجلة في مسوح المشروعات الصغيرة لتوفير رؤية شاملة.
2. تعزيز التعاون: تعميق الحوار بين المحاسبين الوطنيين والإحصائيين لتوحيد الأساليب والتعريفات.
3. تطوير الأدوات التحليلية: إنشاء مصفوفات لدمج بيانات التوظيف والإنتاج للحصول على صورة أوضح عن مساهمة القطاع غير الرسمي في الناتج المحلي الإجمالي.
أفكار ختامية: لماذا الأمر مهم
إن رحلة تونس نحو قياس أفضل لقطاعها غير الرسمي تقدم دروسًا قيمة للدول الأخرى التي تواجه تحديات مماثلة. عمل الهمامي، وهلال، وتوريللي ليس مجرد إنجاز تقني؛ إنه شعلة أمل لصانعي السياسات والاقتصاديين والمصلحين الاجتماعيين الساعين إلى إضفاء الوضوح والعدالة على جزء حيوي من الاقتصاد.
"الأمر لا يتعلق فقط بقياس الاقتصاد غير الرسمي. بل يتعلق بجعل الخفي مرئيًا—ومنحه صوتًا"
تذكّرنا هذه الدعوة للعمل بأن البيانات ليست مجرد أرقام؛ إنها وسيلة لفهم الناس وأعمالهم ومساهماتهم في المجتمع.
تعرف على المزيد: الوصول إلى الدراسة الكاملة
للاطلاع على المنهجية والنتائج وآثار هذه الدراسة بمزيد من التفصيل، يمكنك قراءة الورقة البحثية الكاملة هنا: نحو قياس أفضل للقطاع غير الرسمي في تونس
حول المؤلفين
محمد الهمامي: مدير السجل الوطني للمؤسسات في المعهد الوطني للإحصاء بتونس
يامن هلال: مدير إحصاءات التشغيل في في المعهد الوطني للإحصاء بتونس
كونستانس توريللي: مسؤولة برامج التعاون في المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE)بفرنسا
تعتمد هذه المقالة على عملهم الرائد المنشور في Statéco n°113, 2019.