العودة إلى المقالات
كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل العالمي؟
نُشر في •5 دقيقة قراءة
التصنيف: Labor Market

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل العالمي؟

يامن هلال
يامن هلال
خبير إحصاءات سوق العمل
نُشر في November 23rd, 2024

من المصانع إلى المكاتب، أصبح الذكاء الاصطناعي (AI)  قوة دافعة تغير طبيعة العمل. ومع هذا التقدم، تزايدت التساؤلات حول مستقبل الوظائف: هل سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى بطالة جماعية، أم أنه سيوفر فرصًا جديدة أكثر مما يقضي عليها؟ بالفعل، يعمل الذكاء الاصطناعي على أتمتة بعض المهام وحتى بعض الوظائف بالكامل، لكنه في الوقت نفسه يخلق وظائف جديدة ويزيد الإنتاجية. في هذه المقالة، نستكشف تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل العالمي، ونناقش ما إذا كنا نشهد انخفاضًا حقيقيًا في التوظيف بسبب الذكاء الاصطناعي، وما الذي يحمله المستقبل. كما سنلقي نظرة على سوق العمل في دول الخليج والدول العربية لمعرفة كيف تؤثر الأتمتة على التوظيف في هذه المنطقة.

الاتجاهات العالمية: اضطراب الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي وخلق فرص جديدة

تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف هو مزيج من الاضطراب والفرص. وفقًا لتقرير "مستقبل الوظائف 2023" الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن حوالي %23  من الوظائف عالميًا قد تتأثر (سواء من خلال الإنشاء أو الإلغاء) في السنوات الخمس القادمة. يتوقع أصحاب العمل أن يتم إنشاء 69 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2027، ولكن في المقابل سيتم فقدان 83 مليون وظيفة – ما يعني صافي خسارة تبلغ 14 مليون وظيفة (حوالي 2% من إجمالي التوظيف). العديد من الوظائف المهددة هي الوظائف الروتينية والإدارية التي يمكن للخوارزميات والروبوتات القيام بها بكفاءة أكبر، مثل موظفي البنوك، ومدخلي البيانات، وأمناء الصناديق (الكاشير).

في المقابل، أشار التقرير إلى أن الأدوار التقنية المتخصصة – مثل خبراء الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، ومحللي البيانات، والمتخصصين في التحول الرقمي – تعد من أسرع الوظائف نموًا في المستقبل، حيث من المتوقع أن تنمو بعض هذه الوظائف بنسبة 30-40%.

لكن رغم هذه التغييرات، لا يزال الذكاء الاصطناعي يسبب إعادة توزيع للوظائف أكثر من كونه يقضي على الوظائف تمامًا. تشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على 300 مليون وظيفة على مستوى العالم، لكن مع ذلك، فإن كل تقدم تكنولوجي سابق قد خلق وظائف جديدة تعادل تلك التي فقدت. يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن يكون هناك صافي +78 مليون وظيفة بحلول عام 2030، حيث تعوض الأدوار الجديدة الوظائف التي ستختفي.

مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي

يتفق معظم الخبراء على أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى تغيير طبيعة العمل بدلاً من إنهائه تمامًا. ستتولى الآلات والبرمجيات المزيد من المهام المتكررة والروتينية، لكن البشر سيظلون ضروريين للمهام التي تتطلب الإبداع، والتفكير النقدي، والذكاء العاطفي.

نحن على وشك رؤية وظائف جديدة "هجينة" تجمع بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، مثل مدربي نماذج الذكاء الاصطناعي أو مهندسي "التوجيهات الذكية" (prompt engineers).

أحد التوجهات الرئيسية الأخرى هو الحاجة إلى إعادة التدريب والتطوير المهني المستمر. مع التطور السريع للذكاء الاصطناعي، سيحتاج العمال إلى تعلم مهارات جديدة أو حتى التحول إلى وظائف جديدة خلال حياتهم المهنية. الشركات تدرك هذا الأمر، حيث أن تدريب الموظفين على المهارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات أصبح من الأولويات الرئيسية. في دراسة حديثة، وجد أن 65  %من المهام التي تعتمد على اللغة يمكن تنفيذها بكفاءة أكبر من خلال الذكاء الاصطناعي، ولكن فقط إذا كان العاملون مدربين على استخدام هذه الأدوات.

تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف في دول الخليج والشرق الأوسط

تعد منطقة الخليج والشرق الأوسط مثالًا على كيفية اختلاف تأثير الأتمتة حسب كل منطقة. فمع التركيز الكبير على الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، تسعى العديد من الدول العربية إلى الاستفادة من هذه التقنية بدلاً من اعتبارها تهديدًا لسوق العمل.

تشير دراسة أجرتها شركة McKinsey إلى أن %45  من الأنشطة الوظيفية في ست دول بالشرق الأوسط يمكن أتمتتها باستخدام التقنيات المتاحة اليوم. وهذا يعني أن حوالي 20.8 مليون وظيفة معرضة للخطر. ومع ذلك، لا يعني ذلك أن جميع هذه الوظائف ستختفي، لأن تطبيق الأتمتة يعتمد على سرعة تبني الدول لهذه التقنيات.

من المتوقع أنه بحلول عام 2030، ستتراوح نسبة الوظائف المؤتمتة بين %3  إلى 45% حسب مستوى الابتكار في كل دولة.

في دول الخليج، هناك عامل آخر مهم وهو أن نسبة كبيرة من الوظائف المهددة يشغلها العمالة الوافدة. على سبيل المثال، في الإمارات، 93  %من الوظائف التي يمكن أتمتتها يشغلها مغتربون. وبالتالي، من المحتمل أن تؤثر الأتمتة في المقام الأول على القوى العاملة الأجنبية، بينما يتحول المواطنون إلى وظائف تتطلب مهارات أعلى.

تستثمر الحكومات الخليجية بشكل متزايد في التعليم الرقمي والتدريب على الذكاء الاصطناعي لضمان قدرة مواطنيها على شغل الوظائف الجديدة التي سيخلقها الذكاء الاصطناعي.

وفقًا لتقرير صادر عن PwC، من المتوقع أن يساهم الذكاء الاصطناعي بمبلغ 320 مليار دولار في اقتصاد الشرق الأوسط بحلول عام 2030، حيث من المرجح أن تستفيد السعودية والإمارات بشكل أكبر من هذه المكاسب.

الخاتمة

الذكاء الاصطناعي ليس نهاية العمل، بل هو تطور طبيعي سيغير شكل الوظائف أكثر مما سيقضي عليها. ستتقلص بعض الفئات الوظيفية، بينما ستنمو أخرى، وسيشهد كل قطاع تقريبًا تغييرات مع دخول الآلات الذكية إلى القوى العاملة.

لكن مستقبل العمل يعتمد على مدى استعدادنا لهذا التحول. إذا تم الاستثمار في تدريب القوى العاملة، وتعليم مهارات الذكاء الاصطناعي، وتشجيع الابتكار، فإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أداة قوية لتحسين الإنتاجية وخلق فرص جديدة، بدلاً من أن يكون مجرد عامل تهديد للوظائف.

المصادر:

1.     تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي - "مستقبل الوظائف 2023" :  weforum.org

2.     تحليل Goldman Sachs حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف : the-independent.com

3.     تقرير McKinsey حول الأتمتة في الشرق الأوسط : businemckinsey.com

4.     تقرير PwC حول مساهمة الذكاء الاصطناعي في اقتصاد الشرق الأوسط : economymiddleeast.com

5.     دراسات أكاديمية حول تأثير الذكاء الاصطناعي على طبيعة العمل